«نقفل سفاراتنا في واشنطن؟ بل نفتح سفاراتنا في اورشليم». اذا كان الايرانيون يريدون ان يعرفوا ما كان الرد الرسمي، في بعض الغرف العربية المقفلة، على مؤتمر طهران.
وهذا اذا كانوا قد لاحظوا ان ممثلي بعض الفصائل الذين شاركوا, خجلا, في المؤتمر كادوا يديرون ظهورهم الى الاخرين. اما حجتهم، فإن الايرانيين الذين اخترقوا مجتمعات المنطقة لتفكيكها هم الذين فككوا المجتمع الفلسطيني. والدليل ما حدث في غزة في ذروة العلاقات بين حركة «حماس» وطهران…
لابل ان جماعة محمد دحلان يقولون، وقولهم لا يختلف كثيراً عن قول أهل السلطة، «ان حائكي السجاد تحولوا الى حائكي الاوهام، وقد عادوا بنا في المؤتمر الى ما قبل مائة عام، لا بل انهم يعتقدون ان الزمن توقف عند كسرى انو شروان».
يقولون أكثر «الايرانيون عقدوا المؤتمر ليقولوا لادارة دونالد ترامب اننا نستطيع اشعال الشرق الاوسط في وجهكم بواسطة هؤلاء الفلسطينيين»، وعلى اعتبار ان الفلسطينيين لطالما استعملوا كوقود بشري، وعلى انقاض القضية، في كل صراعات (وانهيارات) المنطقة…
اما القول الاخر فهو ان الايرانيين الذين يستخدمون الملف الفلسطيني تكتيكياً (وهنا تتقاطع اللعبة التكتيكية مع اللعبة الاستراتيجية) انما حاولوا ان يقطعوا الطريق، ودائما بالعصا، او بالبندقية، او بالحجارة، او بالسكاكين، الفلسطينية، على الاندفاع العربي في اتجاه اقامة كونسورتيوم عربي – اسرائيلي – تركي تحت المظلة (النووية) الاميركية.
تحديداً تحت مظلة دونالد ترامب الذي قال عشقاً باسرائيل ما لم يقله حتى تيودور هرتزل وحاييم وايزمان ودافيد بن غوريون….
اذا، عقد مؤتمر طهران (والواقائع والوقائع المضادة امامنا) خارج عقارب الساعة، ومقرارته لم يعد لها مكان في القرن لان ثمة انظمة راسخة في المنطقة، راسخة اميركياً واكثر من اي انظمة اخرى، لا ترى ذريعة فلسفية لوجودها، وبرؤية القرون الوسطى الا بالاثارة المذهبية الزاحفة في كل الاتجاهات…
بطبيعة الحال، هناك من يرى ان الايرانيين هم اول من دفع في هذا الاتجاه بلحظ نص في الدستور يحدد مذهب، وليس فقط، دين الدولة…
الكل يدور حول ثقافة الحطام، بل وحول ثقافة الغيب، بل وحول ثقافة العدم. اذا كان الدين, وقد تحول الى ايديولوجيا (كاملة الاوصاف)، وسيلة لتكريس الانظمة الرثة او لتحقيق اغراض جيوسياسية وجيوستراتيجية في زمن ما بعد التكنولوجيا…
لفتنا كثير الكلام الروسي (الواثق) عن عالم… ما بعد الغرب. هل حقاً اننا سنرى الصينيين والروس، وربما الهنود ايضا، يحلون محل الاميركيين، والانكليز، والفرنسيين في ديارنا؟
الذي لفتنا ايضاً هو هجوم انقرة على طهران، ان في مؤتمر ميونيخ او عبر الناطقين الرسميين. اليوم (لا البارحة) اكتشف رجب طيب اردوغان ان الايرانيين في سوريا وفي العراق، وهم المسؤولون عن تقويض الامن والاستقرار في المنطقة، باعتبار ان تركيا ليست موجودة في اي من البلدين، وبجنودها ودباباتها…
الثابت ان مصالح تكتيكية حملت الايرانيين على السكوت عن التوغل التركي, وحملت الاتراك على السكوت عن التوغل الايراني، في حين كانت العلاقات الاقتصادية تزدهر بين البلدين..
الان، مع دونالد ترامب، وقد قال بالمناطق الامنة التي تعطي لاردوغان الضوء الاخضر للاسيتلاء على آلاف الكيلومترات المربعة من الارض السورية، المشهد الاستراتيجي اختلف كليا…
هل كانت المصادفة ان تعود العلاقة بين انقرة وتل ابيب الى سابق عهدها مع دخول ترامب الى البيت الابيض, وحيث الرجل يتبنى كليا (اسألوا صهره جاريد كوشنر) الفكرة التي طالما جالت في رأس بول وولفوويتز حول الكوندومينيوم التركي – الاسرائيلي، اي الادارة الثنائية للمنطقة.
اين العرب في هذه الحال؟ لم تعد هناك فلسطين. الان اسرائيل، الدولة اليهودية كما قال ترامب، لعبة القيم هي لعبة عبثية. الان لعبة البقاء، ولا بقاء لتلك الانظمة الا بالدوران حول هيكل سليمان، ولتبكِ الكعبة حتى آخر الزمان…!!!