مشهدُ طفلٍ في حوالي الرّابعة من عمره يركضُ باتّجاه أحدِ التّقاطعات المرورية المزدحمة وقت الظّهيرة؛ جعلني أتوّقفُ دون تفكير للّحاق به، ساعدني في ذلك أحدُ المارّة، لنقفَ ننظرُ حولنا بحيْرة، إلى أن لمحنا في البعيد امرأةً تقتربُ وهي مشغولةٌ بهاتفها النّقال… فسلّمناها يدَ الصّغير ومضى كلٌ منّا في طريقه دون أن تسعفنا اللّغة للتّعليق !

وأحسبُ أنّ المشهدَ الأكثرُ استفزازاً لأيّ إنسان هو الأب الذي يدخّن في مركبة بوجود الصّغار فيها، أو الأطفال في المركبات يخرجون أيديهم ورؤوسهم من النّوافذ… مع أبٍ آخرَ غير مبالٍ، أو أمٍّ سارحة في ملكوت الله…

إزاء مثل تلك الممارسات؛ ألتمسُ من نشامى إدارة السّير المخالفة الفورية السّريعة دون رحمة… أكرّر: دون رحمة أو رأفة أو شفقة !

وفي الحديث عن الطّفولة؛ يحضرُ همّ العطلة الصّيفية القادمة، حين يخرجُ الأهلُ لأعمالهم، ليبقى الصّغارُ في البيوت نهباً للحرّ والفراغ والفوضى والضّجر والعبث… أزمةٌ سنويّة تُربكُ الأسرَ والأطفالَ والدّنيا… والمضحك المبكي في الموضوع المبادراتُ البائسة لبعض المدارس الخاصّة، وذلك التّرويج لما يسمّى بالمخيمات الصّيفية، حين تكلّفك المشاركة لشهر ما يساوي المبلغ الذي تدفعه لفصلٍ دراسي كامل !

وما يمزّق القلبَ أحياناً؛ رؤيتي لبعض الصّغار يلعبون داخل قطعة أرضٍ فارغة بين المباني السّكنية، ثمّ لتأتي الجرّافات الثّقيلة فتحلّ مكانَ اللهو البرىء بأصواتها الوحشية؛ فتدرك أنّ أحدَهم قرّرَ استثمارَ الأرض في بناء شققٍ سكنية… لأسألَ نفسي بحزن: أين يلعبُ الأطفال الآن ؟

السّؤالُ الحارقُ هنا ونحنُ مقبلون على شهرِ الخير والعطاء؛ وثمّة مساحاتٌ خرافيةٌ من أراضي الوقْف؛ أهو فعلٌ يُغضبُ الله لو هُيّأ بعضُها كملاعبَ آمنة للأطفال؟ وهل يُحسبُ ذنباً أو إثماً فيما لو زوّدها أحدُ الموسرين بمظلاتٍ وألعابٍ خارجية مثلَ المراجيحِ والسّحاسيل وغيرها ؟

طرودُ الخير أمرٌ جميل، تزويدُ الفقراء بالزّيت والسّكر ورُبّ البندورة والشّعيرية فعلٌ رائع… لكن أحسبُ أنّ عملَ الخير بدوره يحتاجُ إلى بعض الخيالِ وبعضِ الإبداع !

وعلى ذكرِ الإبداع؛ لأحدِ البنوك في منطقة عبدون حديقةٌ سمّيت باسمه، لكنّ الحارسَ يقرّر طردَ الأطفال وإغلاقَها السّاعة السّادسة؛ عند انخفاضِ الحرارة واقترابِ الوقت المناسب للّعب !

كما لا أفهمُ حتى الآن سببَ تعطيل موقعٍ مثالي للترّفيه عن الأسر اسمه « حدائق الملك عبدالله «… ألا من مبادرةٍ سريعةٍ حاسمة لإعادة الألق والسّمعة الطّيّبة لذلك المكان بمساحاته الرّحبة التي تحوّلت إلى خرابٍ ومكبٍ للنّفايات من كلّ نوع !

مفارقاتٌ لم نعد نفهمها، كما لم أعد أستوعبُ شعاراتٍ من مثل: أطفالنا أعزّ ما نملك… ومقولة فلذّات أكبادنا…وأنّهم قادةُ المستقبل وبناة الغدِ الأجمل… نردّد هذا كلّه ولانكلّفُ أنفسنا بإدراك أنّ حاجة الطّفل للّهو والتّرفيه تضاهي حاجته للأكلِ والشّرب، وبأنّ أفضل أنواع التعلّم هو بالّلعب، رغم ذلك؛ ما زلنا مصرّين على الإنجابِ والتّوالد والتّكاثر…

المشكلة أنّ الأطفال لا يُتقنون فنونَ الاعتراض وتنظيمَ المسيرات والاعتصامات… المأساة هي في أنّ ضحايا جهلنا وتقاعسِنا وتقصيرِنا لا صوتَ لهم.