في الوقت الذي نجح فيه الجيش اللبناني في تطويق داعش في المنطقة الحدودية الشرقية التي تربطه بسوريا وبخاصة في جرود رأس بعلبك والقاع، على نحو منح فيه المجلس الأعلى للدفاع الذي عُقد برئاسة الجنرال ميشال عون رئيس الجمهورية.. الضوء الأخضر، كي يُطهَّر تلك المنطقة من رجس الإرهاب التكفيري ويطوي صفحته السوداء، بعد نجاح حزب الله في تطهير جرود عرسال من ارهاب جبهة النصرة فرع تنظيم القاعدة في سوريا، وإعادة الأمن والهدوء الى تلك البلدة وجرودها بعد سنوات من اتخاذها ممراً ومقراً لِنشر الارهاب والتفجيرات والفوضى في بلاد الارز، بهدف التحضير او خلق المناخات المواتِية لحرب اهلية ذات طابع طائفي ومذهبي، تجد – من أسف – من يُروّج لها ويدعمها بالمال والسلاح والإعلام داخل لبنان نفسه وخصوصاً خارجه الاقليمي والدولي.

في هذه الاجواء التي تُنذِر بمعركة حاسمة وفاصلة ستُسجل بالتأكيد لصالح الجيش اللبناني، الذي قيل الكثير عن ضعف تسليحه وتردِّده وخضوعه للتجاذبات السياسية ورهان بعض القوى على امكانية تصدّعه (طائفياً ومذهبياً) في حال أقدَم على خطوة كهذه، وخصوصاً اذا ما نسّق مع حزب الله من اجل إلحاق الهزيمة بداعش الذي ضاقت على عناصره هوامش المناورة، بعد ان وقع ما تبقّى من بلدات ومدن يسيطر عليها تحت الحصار، وبخاصة في الرقة ودير الزور وإغلاق الطريق امامه عراقياً، برز الموقف الاميركي الجديد / القديم الذي تريد واشنطن من ورائه استدراك ما فشلت فيه طوال احد عشر عاماً، هي عمر قرار مجلس الأمن الشهير «1701» الذي ما يزال موضع تجاذبات ومناورات واستغلال ظرفي ومكاني من قِبَل تل ابيب وواشنطن وانصارهما في الداخل اللبناني كما في المنطقة العربية.

جديد التحرك الاميركي هو اقتراب موعد «التجديد» السنوي لقوات الامم المتحدة العاملة في الجنوب اللبناني (اليونيفيل) والتي تنتهي مهمتها في اليوم الاخير من هذا الشهر، ما يستدعي التجديد لها قبل حلول ذلك اليوم، وهو امر جرى تلقائياً طوال الفترة الماضية دون عراقيل او نقاشات حادة، لكن هذه السنة ومع وجود ادارة ترمب والتطورات المتلاحقة على «الميادين» السورية وبخاصة بعد نجاح حزب الله في طي صفحة جبهة النصرة من جرود عرسال وبروز قوته العسكرية المؤثرة، وجدت واشنطن فرصتها في «محاولة» تغيير قواعد اللعبة التي نظمت وجود ومهمة قوات اليونيفيل وبخاصة ان تكليف الجيش اللبناني وحده (!!)، مهمة تحرير المناطق التي يتواجد فيها داعش، تمنح فرصة جديدة لأعداء سوريا وحزب الله في لبنان، لاستعادة بعض «الكثير» من النفوذ والتأثير الذي فقدوه، ليس فقط بوصول الجنرال عون الى رئاسة الجمهورية، وانما ايضاً في مواصلة حزب الله مشاركته في الحرب على الارهاب داخل سوريا وبروزه كرقم صعب في المعادلة الاقليمية، واعتراف عواصم دولية مؤثرة في المشهدين السوري والاقليمي بدوره والتنسيق معه و»رفض» تصنيفه كـَ»منظمة ارهابية» كما تؤكد موسكو وبيجين واطراف اخرى ذات وزن.

اللافت في ما يجري الآن في اروقة مجلس الأمن وبخاصة بعد دعوة المندوبة الاميركية نيكي هالي الى «تعديل» تفويض مهمة القوة الدولية العاملة في الجنوب اللبناني سواء في ما خصّ السماح لها التحرك بشكل تلقائي دون التنسيق مع الجيش اللبناني او الحصول على إذن منه، ام في توسيع مهمتها لتشمل الحدود الشرقية والشمالية للبنان. وهذا بالضبط ما كانت تل ابيب وواشنطن وخصوصاً فريق 14 آذار (المندثر كما يجب التذكير) قد دأبوا على الدعوة اليه والتحريض عليه، حيث «يمكن» لليونيفيل في حال انتشارها في تلك المناطق (وهذا بالتأكيد خارج صلاحيات وإطار القرار 1701) ان تقطع او هكذا يتصورون، مصادر وطرق تسليح حزب الله.

نقول: اللافت في هذه الدعوة هي تزامنها مع التحضير للمعركة ضد داعش، وعودة التصريحات المعادية لمشاركة حزب الله ان هذه المعركة التي لا يمكن بالطبع ومهما حاول كثيرون الادعاء او المكابرة والإدعاء بقدرة الجيش اللبناني على خوضها وإحراز نصر كامل فيها دون مشاركة قوات حزب الله، التي تواجِه داعش من خلفه (من الجانب السوري) وهو امر تُدركه قيادة الجيش ورئاسة الجمهورية وغيرهما من المؤسسات، التي تريد إراحة لبنان واللبنانيين من شرور الارهاب وهي غير معنية باسترضاء فريق، ليس فقط فقد توازنه وخسر «المعركة» التي راهن عليها كثيراً، بل وايضاً في اضطراره للمشاركة في تفويض الجيش اللبناني تحرير المناطق التي يحتلها داعش وهو (فريق 14 آذار ومن معه من الانعزاليين والطائفيين والمذهبيين) الذي كان يراهن على داعش والنصرة كي تكسر شوكة حزب الله وتمنح نصرها المُتخيّل لـِبعض «السُنّة» وحلفائهم الانعزاليين.

من السابق لأوانه التكهن بمدى النجاح الذي ستصيبه واشنطن (بالوكالة عن اسرائيل بالطبع) في إدخال تعديل على مهمة وتفويض قوات اليونيفيل، سواء في الجنوب اللبناني و»مطاردة المسلحين» في ذلك الجزء المُحرّر من لبنان، ام في توسيع تلك المهمة لتشمل الحدود السورية وبكل ما يحمله ذلك من احتمالات ومفاجآت، الاّ ان الذي لا يمكن الاختلاف حوله هو استحالة وجود اي «دولة» تشارك قواتها في اليونيفيل، توافِق على تعريضها للخطر ارضاء لنزوات واشنطن واطماع اسرائيل وحسابات الانعزاليين في لبنان، وهو امر تدركه واشنطن جيداً لكنها تحاوِل، ولا تعدو دعوتها «شبه المستحيلة» هذه سوى مناورة مكشوفة او – وهذا هو الأخطر–مثابة ضوء أخضر لتل ابيب كي تشّن حرباً على لبنان بغطاء اميركي…»كامل».

kharroub@jpf.com.jo