لم تسنح لي فرصة لقاء وزير الخارجية الروسية سيرجي لافروف في عمان، وحضور مؤتمره الصحفي، وتقديم كتابي (روسيا المعاصرة والعرب) له باعتباري وبتواضع من المتخصصين في الشأن الروسي السياسي وباهتمام كبير، أثناء زيارته الأخيرة لبلدي الأردن بتاريخ 11 أيلول (الاثنين)، والذي توّجه بلقاء جلالة الملك عبدالله الثاني، وبوزير خارجيتنا أيمن الصفدي، وآخر بممثلي الجاليات والأندية والإعلام الذي غابت عنه المرأة الروسية ومؤسسة عالم روسيا بعد ذلك، وقبل مؤتمره الصحفي. وهي الزيارة المهمة من وجهة نظري رغم أنها ليست الأولى لأردننا ولمنطقتنا العربية والشرق أوسطية، وسبقها هذه المرة بالهبوط في الرياض، ولقاء خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك سلمان بن عبدالعزيز ووزير خارجيته عادل الجبير.

وتأتي أهمية الزيارة الروسية هذه لاشتباك قواعدها بالأزمة السورية مباشرة، وبعدما كادت تتدحرج صوب اختناقات وانفجارات خطيرة من أهمها (السلاح الكيماوي)، والخوف حينها من وصوله إلى يد الإرهاب، وصعود حمى الخطة (ب) التي ابتدعها وصممها الغرب ومررها على العرب. واستشراء الإرهاب وانتشاره وقدومه من (80) دولة عالمية، وتصعيد لشعلة الاتهامات بالتطرف، والإرهاب والعنف والعنف المضاد لدمشق وللقوى المساندة لها مثل إيران وحزب الله، وللمعارضة المسلحة السورية بكافة صنوفها الداخلية والخارجية، وللتدخلات الخارجية العربية منها والأجنبية، وبعد تهديد المنطقة العربية وأبعد من ذلك بالانفجار.

وبعدما دخلت روسيا البوابة السورية من معبري السياسة والعسكرة باحتراف، فجاءت وقتها بمؤتمرات جنيف (1) وما بعده، وحولتها بالتعاون مع كازاخستان إلى الأستانا ذي الطابع الدولي، وواصلت مطاردة الإرهاب من (داعش) و(النصرة).

والآن ما هو الجديد الذي لمسناه ولاحظناه في جعبة لافروف من زيارته الجديدة هذه بالمقارنة مع جولاته السابقة في شرقنا، والتي شكلت تراكمات سياسية ناجحة، بينما الأزمة السورية الدموية شارفت على الانتهاء؟

ولماذا بدأت زيارة لافروف بالسعودية الشقيقة أولاً ثم حطت في الأردن ولم تتجاوز ذلك إلى أي اتجاه آخر؟ المعروف هنا أن السعودية استبدلت الخطة (ب) الهادفة سابقاً لتحريك التدخل العربي عسكرياً في الشأن السوري والقبول بالحلول السياسية، والإصغاء للدور السياسي الروسي أكثر من غيره، وتحديداً الأميركي، خاصة وأن جهوداً روسية اميركية مشتركة بدأت تلوح في الأفق العربي. ومركز أردني روسي أميركي أمني مشترك تم تأسيسه في الأردن مؤخراً لضبط الحدود، ودور أردني مهم مراقب في محادثات الأستانا (6) وقبلها، وإصرار على وقف إطلاق النار، وإيجاد بيئة مناسبة لإنجاح قرارات جنيف (1) الداعي لنقل سلطة دمشق ديمقراطياً، وقرار مجلس الأمن (2254) 18 كانون الاول 2015 والتمسك بالحل السياسي وتقديمه على أية حلول عسكرية سرابية مدمرة للإنسان العربي السوري ودولته وحضارته التاريخية، وإعطاء أولوية لتوجه الشعب السوري ومعارضته الواجب أن تتوحد ولقيادته الشرعية الحالية المدعوة لاستقطاب كافة الأقطاب السياسية الراغبة في بناء الدولة والوطن السوري والابتعاد عن الشمولية والحزب الواحد والإقصاء.

وموسكو التي لا تنطلق من فراغ ولا تتجه إلى مثله، وإنما وفق برنامج سياسي وأمني وعسكري محكم توجهت إلى الرياض لضمان موقفها من افق الحلول السياسية التي تخص وحدة التراب السوري واستقرار الدولة السورية لحين القدوم بالبديل عبر صناديق الاقتراع النزيهة، وصياغة دستور حضاري متزن يشارك في نسجه الشعب السوري مباشرة ورجالاته السياسية والقانونية والاقتصادية والثقافية. وعين روسيا على إشراك دول النفط العربية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية في إعادة بناء الوطن السوري المحتاج لمليارات هائلة تقدر بـ(180) ملياراً من الدولارات بعد أن دمره الإرهاب والجهات العلنية والسرية الداعمة له، والتي في مقدمتها الأجهزة اللوجستية العجمية الخبيثة، التي تخطط للحدث وتراه من دون أن يستطيع أحد الإحساس بحراكها. والعين الأخرى على الأردن الذي يقود السياسة الإقليمية باقتدار كبير. ومثلي هنا الزيارات المتكررة لجلالة الملك عبدالله الثاني لموسكو، والأخرى الروسية الرئاسية والدبلوماسية لعمان، وسيل متبادل من حراك الأفكار. ولموسكو عين ثاقبة من خلال الرياض تجاه اليمن وقطر والإمارات وصولاً لإيران. ويهمها استقرار الخليج لكي تستقر المنطقة الشامية. ولها مصالح اقتصادية تتقدمها شراء السعودية لـ(16) محطة نووية سلمية لأغراض الطاقة الكهربائية وتحلية المياه. وعين للرياض على السلاح الروسي النوعي المتقدم رغم صفقة السلاح مع أميركا التي بلغت (110) مليارات دولار. وروسيا قادرة في المقابل من خلال علاقتها مع إيران أن تلعب دوراً مهماً في تصويب الأوضاع في العراق، وجلب الاستقرار إليه. وهذا لا يعني لنا اصطفافاً روسياً مذهبياً لا سمح الله وقدر، كما يحلو لماكنة الاتصال الدولي أن تشيع كلما راق لها ذلك.

وعلى صعيد العلاقات الروسية الأردنية وبالعكس لفت انتباهي تركيز وزير الخارجية الروسي لافروف على حجم التبادل التجاري المتدني الواجب رفع منسوبه وعلى اكثر من مستوى ومجال، فلا زالت روسيا محتاجة للسياحة الأردنية، والأمل لا زال معقوداً على تخفيض أسعار تذاكر السفر على طائرات الملكية الأردنية، وخدمات الفنادق المنتشرة في عمان، والبحر الميت، والعقبة، ووادي رم. والقهوة الأردنية مطلوبة في السوق الروسي، وكذلك الأمر بالنسبة للحلويات الأردنية العربية الأصيلة، ومنتجات البحر الميت يمكن أن تلقى رواجاً هناك أيضاً. والمنسوجات والمطرزات الشعبية اليدوية، والتحف، وما إلى ذلك. والمأكولات الأردنية المشهورة الممكن تصنيعها في العمق الروسي، والفواكه والخضار والأعناب، والموز، وزيت الزيتون مطلوب أيضاً. ولروسيا اهتمام في المقابل في إنجاح مفاعلها النووي في بلدنا بالاشتراك مع دول العالم، المتوقع أن تصل تكلفته إلى (7) مليارات دولار. ويقدمون لنا المنح الدراسية باستمرار، وتبادل ثقافي مهم ملاحظ، وإسناد عسكري نوعي للأردن.