العديد من المنظمات والأطر الأقليمية، التي تضم العرب وفي مقدمتها الجامعة العربية، ثبت فشلها وأنها مجرد هياكل كرتونية، ليس لها أي دور في معالجة الأزمات والخلافات التي تواجه الامة حتى الصغيرة منها، وتحولت بالنسبة للمواطن العربي الى مادة للتندر والسخرية! وكان التراشق اللفظي بين «الأشقاء الخليجيين»، خلال الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب بالقاهرة، نموذجا آخر على المستوى الذي وصلت له الجامعة!

ليس جديدا الحديث عن فشل العمل العربي المشترك، لكن الكوارث الراهنة التي تعصف بالأمة تعيد التذكير وطرح التساؤلات! وسبب عجز هذه المنظمات أنها فاقدة للاستقلالية والإرادة السياسية والصلاحيات، وينحصر نشاطها في عقد اجتماعات وإصدار بيانات انشائية، حيث تتحكم بقراراتها الدول النافذة، التي تتحمل النصيب الأكبر في تمويلها، أو التي تعتبر أن لها الحق في «الوصاية»، بحكم حجمها وإمكاناتها البشرية والمالية!

وبالاضافة الى الجامعة العربية، يمكن الاشارة الى» مجلس التعاون الخليجي، البرلمان العربي»، بالاضافة الى الاتحاد المغاربي العربي، ومجلس التعاون العربي، اللذان « انتقلا الى رحمة الله»! ونقل العرب عدوى فشلهم الى منظمة التعاون الاسلامي، التي عقدت اجتماعا مؤخرا في اسطنبول، لبحث أزمة المسجد الأقصى، بعد أن انتصر المرابطون والمقدسيون على اجراءات الاحتلال، واكتفى الاجتماع باصدار بيان ممجوج، يتضمن إدانة اسرائيل والتأكيد على بدهيات لفظية!

ويمكن مقارنة هذه الهياكل الهشة، بنماذج أخرى دولية مثل الاتحاد الأوروبي، وما حققه من انجازات لصالح الشعوب الاوروبية، رغم اختلاف الثقافات وتعدد اللغات بينها! حيث يستطيع أي مواطن أوروبي، أو أجنبي حاصل على تأشيرة «شنغن»، التنقل بين دول الاتحاد بحرية وبدون تفتيش!

ثمة شعارات وعناوين فضفاضة، تتكرر عن التضامن العربي والاسلامي، لكن انجازات الجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945، تبدو محصورة في تنسيق أمني يستهدف المواطنين العرب، الذين لم يشعروا بأي نتائج ايجابية على الأرض، تتعلق بحياتهم اليومية على مختلف المستويات الاقتصادية والسياسية والخدمية!

خلال نحو 35 عاما بدا أن مجلس التعاون الخليجي، هو الإطار الأكثر صمودا وقدرة على تحقيق انجازات للمواطن الخليجي، مقارنة بالمنظمات العربية الأخرى، لكن أزمة الخليج الأخيرة، كشف هشاشة هذا الاتحاد وعجزه عن ممارسة دوره الحقيقي !

وتشكل العلاقة المأزومة بين مصر والسودان نموذجا آخر، على «العقلية الكيدية» التي تدير العلاقات البينية، حيث تبدو الازمات بين البلدين مستعصية، فقبل أن يجف حبر بيان قمة البحر الميت بالاردن في نهاية اذار الماضي، الذي تضمن كلاما معسولا عن التضامن العربي، اشتعلت أزمة دبلوماسية بين البلدين، حيث اتهمت السودان مصر التي تشغل مقعدا غير دائم في مجلس الأمن، بتأييد قرار تمديد العقوبات المفروضة عليه وهو ما نفته القاهرة.

والواقع أن هناك عوامل كثيرة تؤدي إلى التصعيد بين الجانبين، فالقاهرة غير راضية عن التقارب السوداني الاثيوبي الأخير، وتتهم الخرطوم باستضافة عناصر من جماعة الإخوان المسلمين، ويوم 23 ايار الماضي أعلن الرئيس السوداني عمر البشير، أن الجيش السوداني صادر مركبات مصرية مدرعة من المتمردين في منطقة دارفور بغرب البلاد. وتحتل أزمة حلايب موقعا بارزا في التوتر بين البلدين!

والاهم من ذلك أن الثقة مفقودة، ورغم قيام وزراء خارجية البلدين بزيارات متبادلة بين شهري نيسان وآب، تبدو الازمات الثنائية مستعصية والشكوك متواصلة، والشهر الماضي اتهمت الخرطوم السلطات المصرية بقتل عاملين سودانيين، وإصابة 19 آخرين في منطقة حلايب، واعتقال 220 والحكم عليهم بالسجن والغرامة، وإبعاد 330 من عمال التعدين من المنطقة.

الخلل في العمل العربي المشترك ليس «جينيا»، لكن سبب البلاء يعود الى «ثنائية الفساد والاستبداد «، التي مزقت الأمة وشرذمت قدراتها، وحولت هدف الوحدة الى مادة للتندر، ويقابل الحالة الكارثية العربية، ثلاثة نماذج في الاقليم، هي الكيان الصهيوني وايران وتركيا، التي تمتلك كل منها سياسة واحدة وقرارا مستقلا، وتأثيرا كبيرا في الحرائق التي تشتعل في الجسد العربي !

[email protected]