الكعبة ولاس فيغاس على أرض واحدة. ابن تيمية والبرت اينشتاين يلتقيان على كأس من النبيذ على شاطىء الكوت دازور…
ما هذا الذي يتحدث عنه الأمير محمد بن سلمان في مشروع «النيوم» (محاكاة تكنولوجيا المستقبل)؟ التقنيات الحيوية، والغذاء، والعلوم التقنية والرقمية، وابتكار الصناعة المحلية وتحريكها على مستوى عالمي.
لا نهذي، بل نستعيد ما تفوه به صاحب السمو الذي قرر القفز فوق الزمن الميت، والدخول في القرن الحادي والعشرين. المشروع بكلفة 500 مليار دولار، على أن يتم دعمه من «صندوق الاستثمارات العامة»، اضافة الى المستثمرين المحليين واالعالميين.
أيضاً، يمتاز المشروع بخصائص مهمة، أبرزها الموقع الاستراتيجي الذي يتيح له أن يكون نقطة التقاء لأفضل ما في المنطقة العربية وآسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا.
المنطقة على مساحة 26500 كيلومتر مربع، وتطل على البحر الأحمر وخليج العقبة بطول 468 كيلومتراً، وتحيط بها جبال بارتفاع  2500 كيلو متر. يضاف الى ذلك، ودائماً تبعاً لكلام الأمير، النسيم العليل، في حين ان الشمس والرياح ستتيح لمنطقة المشروع الاعتماد الكامل على الطاقة البديلة.
من أساسيات المشروع، الاطلالة على ساحل البحر الذي يعدّ الشريان الاقتصادي الأبرز، اذ يمر عبره 10 في المئة من حركة التجارة العالمية، كما يعدّ الموقع محوراً يربط القارات الثلاث، آسيا وأوروبا وأفريقيا، ويكن لـ 70 في المئة من سكان العالم الوصول اليه خلال 8 ساعات حداً أقصى.
المشروع يشتمل على أرض داخل الحدود المصرية والأردنية حيث سيكون المنطقة الأولى الخاصة الممتدة بين ثلاث دول.
لن نسأل عن الدولة الرابعة التي نأمل الا تكون اسرائيل بعدما المحت وكالة بلومبرغ الى أن نجم وول ستريت اليهودي جورج سوروس لم يكن بعيداً عن المناخات، والاتصالات التي جرت لاطلاق (فكرة) المشروع.
كبقايا ما كان يدعى القومية العربية، نحلم بأن تكون هناك دولة عربية على تفاعل (خلاق) مع ديناميات الحداثة، بعدما ذهبت تريليونات الدولارات على أقدام الأباطرة (لا تنسوا قدمي شهرزاد).
وكبقايا ما كان يدعى القومية العربية، نسأل ما اذا كانت تلك «الثورة» التي يطلقها أمير شاب ومن عائلة طالما أرست مفاهيم أزمنة غابرة في هيكلية السلطة أو في الأداء الديبلوماسي والاستراتيجي، تعني أنه  سكون للمملكة أمنها الذاتي، وتدعو جنرالات، وادميرالات، القيادة الأميركية الوسطى الى أن يذهبوا بأساطيلهم بعيداً عن المياه الأقليمية.
لا كلمة واحدة عن التحديث السياسي. صحافي سعودي بات خارج المملكة تحدث عن معادلة سريالية، وحيث القرون الوسطى تعقد قرانها على القرن الحادي والعشرين. أي ظاهرة هجينة في هذه الحال؟!
لم يقل صاحب السمو ما اذا كان المشروع العملاق يرتبط، بصورة أو بأخرى، بـ «رؤية 2030» التي استدعت شد الأحزمة. هذا تقليد مستجد وقد يحوّل السعوديين الى هياكل عظمية اذا ما بقي الغوص العبثي في أزمات، وصراعات، المنطقة.
السؤال البديهي… كيف للمجتمع السعودي، وحيث أهلنا في شبه الجزيرة، يمكن أن ينتقل في غضون سنوات، وربما أيام، من ثقافة الايديولوجيا العفنة والمتقوقعة، الى ثقافة التكنولوجيا (الهاي تك) التي تفعل وتتفاعل مع كل مناحي الحياة؟
على شاطىء البحر الأحمر، لن نفاجأ، ذات يوم، بالاعلان عن انتخاب ملكة جمال المملكة العربية السعودية، بالأزياء التي نراها على شاطىء ميامي أو على شاطىء موناكو. هذا ما يظهره شريط ترويجي لمشروع الأمير  محمد، حيث تنتقل المرأة من تلك الزنزانة (البرقع) الى ذلك العالم الذي تكون فيه المرأة المرأة لا البضاعة الجسدية التي يحظر عليها حتى قيادة السيارة.
لن نقول أن المشروع أتى متأخراً جداً. ولن نقول أنه سيحدث زلزالاً بين منطق محمد بن عبد الوهاب ومنطق دونالد ترامب، ولكن، ولو كلمة واحدة، في سياق التغيير، عن اللعبة الديمقراطية. في هذه الحال، كيف لمجتمع أن ينعتق من لغة العصا (لغة المطاوعة) الى لغة الهيب هوب، في حين أن البنية الفلسفية للسلطة بنية قبلية لا مكان فيها، ولو على قياس الذبابة، لأي حديث عن تداول السلطة، في اطار الملكية الدستورية، ولا لأي حديث عن الشراكة في السلطة.
ننتظر شروق الشمس ولو من… الغرب!